رحلات السفارى والصحراء البيضاء

براح الصحراء البيضاء.. متحف طبيعي للطباشير وملاذ لعشاق مراقبة النجوم والتخييم.. يعود تاريخها لـ 70 مليون عام.. كهف “الأبيض” قطعة من الفن النوبي.. و”الجارة” كهف أنشأته المياه تحت سطح الأرض .. صور

كتبت\هبه عبدالله

المحميات الطبيعية، لا ينضب نهر الحكايات عنها، فكل شبر فيها يمتلك عالم مختلف من التفاصيل، والاستكشافات البيئية هذا العالم الملىء بالاسرار، اتخذه البعض هواية، والآخرتقوده الصدفة للتفاصيل متنوعة ، بينما هناك من جعله عملا ودراسة، حيث يعد التجول فى الصحراء هواية قديمة للمصريين والملوك  والامراء على مر العصور، واليوم الشباب يتجولون بالمحميات الطبيعية والصحراء ويسعون دوما للوصول لمتعة الابتكار للأنشطة والرحلات في رحاب الطبيعة البكر.
خلال هذا التقرير، نرصد كيف خلقت مواصفات الصحراء البيضاء، وسماتها حالة مختلفة من العشق للطبيعة لعشاق السفارى والخروج في براح الصحراء ومريديها عبر العصور بما تشكله من تنوع ايكولوجى وبيولوجى، ففي براحها يحتضن الخيال الواقع، فالعين تؤكد لك أنك في مناخ بارد تكسو كل شبر حولك الثلج، على شكل صورة جليدية، لكن الواقع يؤكد لك أنه طباشير جيرى تناثر ليشكل لوحة ربانية فوق وحول الكثبان الرملية المتناثرة بامتداد الصحراء البيضاء، التي تقع على بعد 45 كيلومترا  من شمال واحة الفرافرة، وتبعد حوالى 570 كيلومترا من القاهرة، على مساحة تجاوزت الـ 3010 كيلومتر مربع.
مشهد طبيعي يخبرك أسرار الماضى عبر الحفريات الشاهدة على مؤشر تغير المناخ في هذه المنطقة عبر التاريخ، حيث تعود صخورها إلى 70 مليون سنة مضت وبالتحديد ما يسمى بالعصر الطباشيري، التي تكونت نتيجة غمر بحر “تيثيس” بالمنطقة.
يعد قلب الصحراء البيضاء اشبة بالمتحف الطبيعي للطباشير الصخري، مشهد الدجاجة والفطر هو مشهد لا يعرفه سوى عشاق الطبيعة فهو  يعنى تلك الصخرة التي تستخدم كشعار للمنطقة منذ أعلانها كمحمية طبيعية في عام 2002، إضافة للصخور سموها عدة أسماء طبقا لتشكيلها النحتي، ولعل أشهرهم صخرة الجمل، وأخرى تسمى صخرة الحصان، والصقر، ولعل ما اطلقه عشاق الطبيعة والصخور على تشكيلات الصحراء البيضاء انها صخور أفريقية لانها ترسم و تتخذ شكل قارة أفريقيا، وكأنها خريطة مرسومة.
في الصحراء الغربية ستجد مجموعة لا حصر لها من أشكال وألوان وبلورات كاربونات الكالسيوم الصغيرة وبعض عقيدات بيرايت الحديد، كما يمكنك أيضا مشاهدة “البلايا”، وهي من مخلفات بحيرة قديمة تآكلت عبر العصور، لكن المشهد الاجمل هو كيف شكلت النباتات بالصحراء البيضاء ممرا منخفضا اشبة بالبساتين والحقول، أوهو منخفض الفرافرة، الذى يعد أصغر واحات الصحراء الغربية، الذى كان يعرف في العصور الفرعونية باسم “تا إحت” أي أرض البقرة لكثرة المراعي والأبقار بها.
الصحراء البيضاء تبدوا وكأنها قطعة من القطب الشمالي أو صحراء سيبيريا الجليدية، على حسب ما أطلقه عليها رحالة الصحراء الغربية، إلا أن شمسها القوية التي تصل لدرجة الشمس الحارقة  والرياح المحملة بدرجات الحرارة المرتفعة أخرجتها من هذا التصنيف.
كل مكان في الصحراء البيضاء شاهد على حياة البشر الذين كانوا يعيشون فيها، فهناك بالمنطقة يمكنك مشاهدة  النقوش والزخارف التي تزين جدران كهف “الأبيض”، والزخارف الحيوانية التي عكست تقاليد الفن الصخري النوبي، ورسوم لأيدى بشرية زينت جدران الكهف،  والتي كانت  دليلا على الحضارة التي انتشرت في هذه المنطقة  منذ 10 آلاف سنة.
وعلى مقربة من كهف “الأبيض”، ترى الهضبة التي تحمل هياكل لآثار غامضة تلاشت، التي تركها الإنسان ما قبل التاريخ ، و نقوشه عند مدخل كهف الجارة، بالقرب من وادي محرق، بعد المحمية بحوالي 7 كيلومتر باتجاه أسيوط، واكتشفه الألماني جيرهارد رولفز عام 1873 ، حيث يعد من أندر الكهوف في العالم، الغنية بالرواسب الكلسية،  والتي يصل عمرها إلى حوالى 40 مليون سنة، يقع.
كهف الجارة هو منخفض تحت سطح الأرض يعلوه تبه مرتفعة، ومدخله من أسفل التبة، متصل بممر ضيق منحدر مملوء بالرمال، ونشأ كنتيجة طبيعية للماء النقي والمناخ الجاف في الصحراء عبر ملايين السنين، هذا الكهف يخالف كل كهوف المنطقة في تكويناته،  وشكل ترسيباته التي تشبه الشلالات النارية، وتصل ارتفاعاتها التكوينات الرسوبية إلى ثلاثة أو أربعة أقدام.
الزائرون للصحراء البيضاء، يعشقون التخييم ، فهى المكان الوحيد الذى يظهر فيها النجوم التي ترصع السماء، ويظهر في سماءها درب التبانة، الذى يظهر بوضوح فوق الصخور، كما يظهر كوكب الزهرة ليزين سماء الليل بضيائه.
في العصور الرومانية، أطلق على الفرافرة والواحات الداخلية والواحات البحرية لقب “أرض الغلال”، لإعتماد الرومان عليها في الحبوب، والتي لا يزال هناك بقايا من أبنية هذا العصر، فهناك قصر الفرافرة، ومعبد “عين بس”، وبعض المقابر الصخرية الخالية من النقوش.
وزارة البيئة أكدت عبر جدارية كبيرة فى بيت القاهرة، كيف كانت الصحراء البيضاء ملاذا لرحلات الملوك والامراء في مصر ومنهم الخديو اسماعيل ، والأمير حسين كمال، ففي عام 1874، ارسى الخديوي اسماعيل أول الاستكشافات الجغرافية للصحراء الغربية، و أنفق على الإستكشافات بعيدا في نهر النيل التي وصلت بالقرب من بحيرة فيكتوريا، حيث قان بتحويل رحلة العالم الألماني الشهير “جيرهارد رولف” إليها، للبحث حول حقيقة وجود نهر بلا ماء في المنطقة، حيث حاول “رولف” اختراق بحر الرمال الأعظم غرب الفرافرة، لكنه لم يتمكن من ذلك، فإتجه إلى الشمال بقافلة مكونة من 100 جمل و90 رجلا ، وضمت  12 يحملون الجنسية الألمانية، وعلماء في كافة فروع العلم من الجيولوجيا، والنبات، والحيوان، والآثار، والفلك، والمساحة، ودون تفاصيلها في كتابه ” ثلاثة أشهر في الصحراء الغربية”
أما الأمير كمال الدين حسين  1932-1874 هو من اكتشف محمية الجلف الكبير، وتخلي عن عرش مصر ليكون رائداً في استخدام السيارات في استكشاف وتصنيع سيارة الستروين موديل 1923، كما قام أحمد حسنين بك ( 1936-1889) بطل المبارزة والدبلوماسي والمستكشف، بأول وآخر عبور ناجح للصحراء الغربية على الإبل ، و قام برحلة بدءا من السلوم علي ساحل البحر المتوسط لمسافه 3200 کیلومترعبر سيوة وجالو والكفرة الي الناشر في السودان، و دفن في ضريح بشارع صلاح سالم بناه المعماري الشهير حسن فتحي.
جدير بالذكر أنه تم تأسيس اول وحدة لاستكشاف الصحراء فى مصر، بقيادة  المجموعة المعروفة بمجموعة الصحراء الطويلة المدى، وحدة إستطلاع ومداهمة للجيش البريطاني خلال الحرب العالمية الثانية،  وكان أعضائها خبراء في الملاحة الصحراوية،  وكانت تسير دوريات بشكل متكرر في الجلفة، و تأسست الوحدة في مصر في يونيو 1940 من قبل الرائد رالف باجنولد ، الذى سكت صورته على العملة.
البراح المنحوت بيد الاله جمالالبراح المنحوت بيد الاله جمال
الرمال البيضاء ترسم لوحة ربانيةالرمال البيضاء ترسم لوحة ربانية
الصحراء البيضاء (7)الصحراء البيضاء 
الصحراء البيضاء ظلال الزمنالصحراء البيضاء ظلال الزمن
الكثبان الرملية المتناثرة تشكل جمالا مختلفاالكثبان الرملية المتناثرة تشكل جمالا مختلفا
رحلات السفارى والصحراء البيضاءرحلات السفارى والصحراء البيضاء
صورة نادرة للتنوع البيولوجى فى الصحراء البيضاءصورة نادرة للتنوع البيولوجى فى الصحراء البيضاء

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *