يتردد على أسماعنا كثيراً اسم الفنانة بديعة مصابنى، دون أن نعرف صورتها أو نتذكر أدوارها أو نتوقف عند حياتها الفنية، وما قدمته للفن المصرى مع جيل الرواد الأوئل، خاصة الأجيال التى لم تعاصر هذه الفترة الهامة من تاريخ الفن المصرى، فقد شهدت خلالها الحركة الفنية زخماً ورواجاً لم تشهده من قبل، وقد كانت فترة الثلاثينيات والأربعينيات بحق ذروة " شباب الفن".

"كازينو بديعة" فى ميدان الأوبرا، كان بمثابة أكاديمية فنون، أو معهد تمثيل، أو مدرسة للفن الشامل، ولم تكن بديعة مصابنى، مجرد صاحبة كازينو أو كباريه، أو مغنية وممثلة وراقصة شهيرة، بل كانت "مُعلمة فن"، وتخرج من مدرستها جيل الرواد والعمالقة، بداية من فريد الأطرش، وليلى مراد، وأسمهان، وزينات صدقى، وسامية جمال، وتحية كاريوكا، وكارم محمود، ومحمد عبد المطلب، ومحمد عبد الوهاب، وعشرات النجوم الذين قادوا الحركة الفنية منذ فترة الثلاثينيات حتى الخمسينات، فقد كان الكازينو حاضنة فنية وثقافية وانتفاضة فنية كبيرة، حيث كانت العروض والمسرحيات والرقصات الاستعراضية والغنائية، التى جعلت منه علامة بارزة فى الفن خلال تلك الفترة.

البعض يتصور أن كازينو بديعة كان صالة للمجون والخلاعة، إلا أن الحقيقة تختلف عن ذلك تماماً، فقد كان شاهداً على الندوات الثقافية والأدبية للروائى والأديب الكبير نجيب محفوظ، كما كان الملك فاروق وكبار رجال القصر زبائن يعرفونه جيداً، وهناك صور نادرة للملك ورجاله أثناء وجودهم في الكازينو، الذى لم يكن المكان مجرد ملهى ليلى أو حانة لتقديم الخمور والمزاج، بل كانت تُصنع من داخله الأحداث، وأتصور أن أي صحفى متخصص في الفن والسياسة خلال تلك الفترة، كان لآبد أن يكون ضيفاً دائماً على هذا الكازينو، باعتباره مصدراً هاماً لصناعة الأخبار والقضايا الصحفية.

فى لقاء تلفزيونى نادر للإعلامية ليلى رستم، مع الفنانة الكبيرة بديعة مصابنى عام 1966، استمر لمدة ساعة تقريباً، وقد تابعته لمرتين، حتى أتعرف على هذه القنبلة الفنية، التي تحكمت في الذوق الفني المصرى على مدار 40 سنة تقريبا، منذ بداية ظهورها الحقيقى ورحلتها مع نجيب الريحانى في عشرينيات القرن الماضى، حتى رحيلها عن مصر، في الخمسينيات، بعدما قدرت مصلحة الضرائب المصرية 80 ألف جنيه على الكازينو الخاص بها، وهو رقم ضخم جدا، لو قدرناه بحسابات اليوم قد يصل إلى 100 مليون جنيه مثلا أو يزيد، ما دفعها إلى الهروب من مصر والاستقرار فى موطنها الأصلى لبنان.

حوار بديعة مصابنى مع ليلى رستم، تناول كل المحطات الخاصة في حياتها، وكيف احترفت الفن في عمر 12 عاماً، وكيف تتحدث اللغات الإسبانية والفرنسية والتركية والانجليزية والعربية بطلاقة، وكيف ابتكرت رقصات خاصة، وأطلقت عليها مسميات شهيرة كان يطلبها الجماهير بالاسم مثل رقصة " كاريوكا" التي منها تم تسميه " تحية كاريوكا" نظراً لإجادتها هذه الرقصة بامتياز.

بديعة مصابنى كان عمرها 75 عاماً عندما أجرت الحوار مع ليلي رستم، وقد كانت بكامل رشاقتها وفنها، واستطاعت أن تقدم أغنية من أغانيها الشهيرة " في الظلمة" وتستخدم " الصاجات" باحتراف، رغم هذه السن، وعبرًت باقتدار عن الحركة الفنية فى مصر، التى كانت قبلة حقيقية للإبداع يقصدها الجميع، فى زمن كان فيه "الكازينو"، أشبه بالمسرح أو السينما، التى يرتادها المواطنون للحصول على جرعة فنية أو التخفيف والترويح عن أنفسهم من عناء الحياة وضغوطها، ولم تكن خمارات أو أماكن للفسق والبغاء كما يظن البعض.

بديعة مصابنى لم تعرفها الأجيال الحالية، وأظن من وجهة نظرى أن  هناك سببين لهذا الأول كان لغيابها عن السينما، وعدم تسجيل مسرحياتها في الفترة التي شهدت نجوميتها، خاصة أن تجربتها مع الأفلام محدودة جداً، سواء الإنتاج أو التمثيل، لذلك لم يصلنا منها شيء، رغم أن من تعلموا على يديها مثل إسماعيل ياسين أو فريد الأطرش وزينات صدقى أو سامية جمال وغيرهم أعمالهم مازالت تعيش معنا حتى الآن، أما السبب الثانى يعود إلى فكرة أن الفنان في تلك الفترة كان يرى السينما درجة ثانية من الفن، حيث يحتل المسرح الدرجة الأولى، ومن خلاله تظهر وتتجلى موهبة الفنان وقدراته الحقيقية، ومع كل هذا تظل  سيرة بديعة مصابنى تستحق أن تضاف إلى قائمة أعمال الكبار والرواد، فقد كان دورها لا يقل عن نجيب الريحانى أو يوسف وهبى، وكل جيل الكبار والرواد الأوائل.