- هل يتألم الفقير من الفقر؟

- نعم

- هل يئن المريض من الألم؟ 

- بالطبع نعم؟ 

- هل يعانى المحتاج من الاحتياج؟ 

- أكيد

- وهل ألم الأنين والمعاناة من الفقر والمرض والاحتياج آخر الموجعات وأقساها؟ 

- لا .. والله لا.

 

الموجع فى ألم الفقر ليس الفقر، الموجع حقا أن يجحده المجتمع وينكره، أن يتغافل الجميع عن أنات المرضى، أن يصم الجميع آذانه عن صرخات المحتاجين، الموجع حقا أن يتعامل الجميع وكأن الموجوعين غير موجودين، وكأنهم هواء أو أقل شأنا، كأنهم عدم، كأنهم لا شىء، لهذا كله فرح المصريون فى عزبة الهجانة بلقاء الرئيس عبدالفتاح السيسى، فرحوا لأن «رأس الدولة» أمامهم، يسمع ويرى، يتأمل ويبحث، فرحوا لأن رأس الدولة يرى حال الجسد الذى استبد به الفساد واستشرى فيه الجهل وسوء الإدارة لعقود وعقود، فرحوا لأن المواطن المصرى عبدالفتاح السيسى يشعر بالمواطن المصرى الكائن بعزبة الهجانة، فرحوا لأن الرئيس رأى فتحى وشكرى ورشاد وبلال، فرحوا لأنه أحس بهناء وشيماء وسوسن وحسنية، فرحوا لأن القاع لم يعد قاعا، وأن من على قمة الحكم فى مصر، يمشى فى الأسواق ويرى ما يرونه

 

ما هى إلا دقائق قليلة فصلت بين تناول الإعلامى الكبير عمرو أديب لقضية العشوائيات فى عزبة الهجانة، حتى أتى صوت الرئيس ليتحدث فى القضية عبر برنامج «الحكاية»، بلغة يفهمها الجميع وفهم يصعب على الكافة، طرح الرئيس الأزمة، وقال للجميع إنه يراها ويعمل على حلها، لكنه لم يكتف بهذا، فما هى إلا ساعات قليلة وفوجئ الجميع بالرئيس عبدالفتاح السيسى فى قلب المشهد، وفى الحقيقة أنا لم أر رئيسا لمصر قبل هذا الرجل يذهب إلى حقول الألغام سيرا على الأقدام دون خوف أو تردد، لم أر رئيسا يقتحم العشوائيات بمثل هذه الجسارة والحسم، لم أر رئيسا يتمتع بهذه الهمة، غير عابئ بتقاليد أو مراسم أو معوقات أو تحذيرات.

 

كنا أطفالا حينما افتتح الرئيس الأسبق محمد حسنى مبارك مستشفى المطرية التعليمى، فرحنا يومها لأن الرئيس بنفسه يمر على حينا المتواضع، وقفنا صفوفا نلوح للرئيس الذى لم يرنا، لأنه كان يسير فى موكب ضخم، يسير داخل سيارات أشبه بالبروج المشيدة، لم يكلف الرئيس «مبارك» نفسه أن يبتعد عشرة أمتار فحسب ليرى منطقة سوق الخميس، وما بها من عشوائية صاعدة، ولم يكلف الرئيس نفسه أن يبتعد عن المسار المرسوم له كليومترا واحدا ليرى منطقة الرشاح، والتى كانت تعد مأوى لكل أنواع الموبقات الإنسانية والحيوانية، لم يكلف الرئيس نفسه ليقف قليلا وينظر فى عيون الناس ليعلم ما بها من آلام وآمال، لكن عبدالفتاح السيسى فعل، فارتجف قلبى وأنا أشاهده

 

 

كل رؤساء مصر، على اختلاف العصور، كانوا يمشون فى المسارات المرسومة لهم من قبل الجهات التنظيمية، لكن العظيم فيما يحدث الآن على يد الرئيس عبدالفتاح السيسى أنه هو من يرسم مساره، هو من يقرر أين يظهر ومتى يظهر، هو من يقرر ماذا يفعل وكيف يفعل، هو من يسوق الجميع فيلهث خلفه الجميع.

 

اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه، ندعو الله كل صلاة، وهكذا يصدح صوت الإيمان وتمتلئ حناجر الشجاعة، ولهذا أقول بملء فمى إن ما يفعله الرئيس عبد الفتاح السيسى يضعه فى قائمة «أولى العزم من الرؤساء» فقد ولدت وتربيت فى حى المطرية، وعشت بهذا الحى العريق القريب من عزبة الهجانة غالبية عمرى، أعرف هذا الحى شارعا شارعا وحارة حارة، أعرف مبانيه وطرقه، أعرف منشآته ومصالحه الحكومية، وحينما أمشى الآن فيه أكاد أتوه من كثرة ما فعله الرئيس عبدالفتاح السيسى من تطوير.

 

هذا الرجل لم يخلع البدلة العسكرية أبدا، ولن يخلعها، فهذا الإقدام الذى يتميز به، وهذه الشجاعة التى لا تغيب عنه، وهذه الفدائية فى اقتحام الأزمات وقفز إلى داخلها، تؤكد أنه يتعامل مع معركة إصلاح مصر وتطويرها بروح الجبهة، قائد مستطلع الميدان ولا يغيب عنه المشهد، يسد الثغرات ويدعم الحصون، يقيم السدود والمتاريس أمام المتربصين، ويفتح المجالات والطرق أمام الإمداد والتموين.

 

 

آثم قلبه من ينكر أن هذا الرجل يحقق بثبات وقوة كل ما حلمنا به قبل ثورة 25 يناير، آثم قلبه من يدعى أن هذا الرجل هو الوحيد الذى استطاع أن يعبر بمصر من سكرات الموت إلى نشوة الانطلاق

 

 

على ما أذكر فقد تناقشت مع أحد أصدقائى المهندسين الكبار منذ 10 أعوام عن أزمة تخطيط مصر، وأنا أحب أن أعيش فى ثوب التلاميذ حينما أستفسر عن معلومة أو أستشير كبيرا، فقلت له لماذا لا نعيد تخطيط القاهرة لتصبح ذات معنى؟ فقال لى وما هذا المعنى الذى تقصده؟ فأجبت: إن القاهرة تشتهر بآثارها الكثيرة ومبانيها التاريخية الرائعة لكنها مدفونة عن الأعين باليوترنات والشوارع الصماء والحارات المرورية التى تعانى من الإشغالات المزمنة، وصارحته أننى أحزن حد الوجع كلما مررت على منطقة سور مجرى العيون لأرى هذا السور الأثرى العظيم مدفونا خلف أطنان القمامة، وأمرض حينما أمر على البساتين أو السيدة عائشة لأرى خفافيش الظلام تعبث فى أعظم مناطق مصر وأطيبها، فلماذا لا نعيد مثلا تخطيط حى الظاهر ليصبح مسجد الظاهر بيبرس فى قلبه وتصب كل الشوارع فى هذا الميدان وتنطلق منه، وهكذا نفعل مع حى المطرية ومسجد المطراوى أو شجرة مريم، وهكذا نفعل أيضا مع حى المسلة ومسلة سونسرت، فضحك صديقى كثيرا، ونعتنى بالجنون لأن هذه الفكرة، وإن كانت تبرز محاسن القاهرة، لكنها أكثر استحالة من الاستحالة ذاتها، وفى الحقيقة فإن ما يفعله الرئيس السيسى الآن هو المستحيل بعينه، صحيح أنه لم يقترب من جنون الفكرة التى اقترحتها ومثاليتها التى تصل إلى حد السذاجة، لكنه يفعل أفضل ما يمكن أن يحدث، ومن لا يصدقنى فليذهب إلى السيدة عائشة والبساتين والمطرية ومصر الجديدة ومسطرد وشبرا الخيمة ليرى أن المعجزات على يد السيسى أصبحت أمرا واقعا