يوما بعد يوم، يزداد النضج السياسى، وتتسع رقعته، وتتراكم الخبرات فى التعامل مع الملفات المختلفة، مع ارتفاع كبير ومستمر فى منسوب القدرة والتحكم فى درجات حرارة الملفات، سواء برفع درجة السخونة، أو تبريدها.



النظام المصرى الذى يأتى على رأسه الرئيس عبدالفتاح السيسى، أعاد مصر لاعبا فاعلا ومؤثرا على رقعة الشطرنج إقليميًا ودوليًا، بعد سنوات عجاف من إهمال الملفات الجوهرية، وتحديدًا فى المحيطين الأفريقى والعربى، وكانت كلفة فاتورته باهظة الثمن على الأمن القومى المصرى بمفهومه الشامل.



وجدنا الرئيس عبدالفتاح السيسى، يبذل مجهودات كبيرة لإعادة مصر لحضن شقيقاتها فى أفريقيا، وتطهير كل الطرق الرابطة بينها وبين شقيقاتها، من ألغام الإهمال والتجاهل، وترك الساحة لأعداء مصر يتوغلون ويسيطرون ويؤثرون فى قرارات معظم دول القارة السمراء، ومنها على سبيل المثال، زيارته لجيبوتى، وهى أول زيارة لرئيس مصرى منذ استقلالها، بجانب المساعدة والمساهمة بقوة فى المشروعات التنموية لعدد من الدول الصديقة.




نفس الأمر كرره فى إزالة بيوت العنكبوت، الذى أسدل خيوطه على العلاقات بين مصر وبعض الدول العربية، إذا ما وضعنا فى الاعتبار أن ظهور بيوت العنكبوت، مؤشر قوى على الإهمال الجسيم، والفراغ المخيف، فكان عليه إزالة هذه البيوت، وتجديد حيوية العلاقات.




وبالتدقيق والتحليل لتحركات مصر والعودة لحضن أشقائها العرب والأفارقة، ثم الاهتمام ببعض الملفات الخارجية الساخنة، فيه نضج ووعى سياسى، وفطنة كبيرة، تختلف اختلافا كليا عن العهود السابقة، فالنظام الحالى رسخ قاعدة جوهرية، مفادها أن التواجد على الساحة الإقليمية، وإدارة الملفات الحيوية الخارجية يهدف بالأساس إلى الحفاظ على الأمن القومى المصرى الشامل، وبما يخدم مصالحها العليا.



ونضرب مثالًا، حرص الرئيس السيسى على المشاركة الفاعلة فى مؤتمر بغداد للتعاون والشراكة، بنفسه، وإلقاء كلمة، تتضمن رسائل قوية، إنما يؤكد أن مصر تعطى «أكتافًا» سياسية، وبحنكة  و«معلمة» وأن رئيسها فى العراق بلد الحضارة والتاريخ، والموقع الجغرافى المتميز، يقول: إن هناك مصلحة للجميع فى أن يقوم العراق بالدور المنوط به عربيًا وإقليميًا، ومن هنا يأتى اجتماعنا اليوم لتجديد الدعم والالتزام بالمبادئ الثابتة فى العلاقات الدولية، والتى لا خلاف عليها، وهى حسن الجوار، وعدم الاعتداء، والاحترام المتبادل لسيادة الدول، والامتناع غير المشروط عن التدخل فى شؤونها الداخلية، والتوقف عن سياسة فرض الأمر الواقع باستخدام القوة العسكرية أو المادية، فضلًا عن عدم توفير ملاذات آمنة أو أى شكل من أشكال الدعم للجماعات الإرهابية والمتطرفة أو نقل عناصرها من دول إلى أخرى.




لم يكتفِ الرئيس السيسى بذلك، بل أكد أن مصر تقف سندًا ودعمًا لجهود الحكومة العراقية نحو تقوية الدولة الوطنية ومؤسساتها بما يمكنها من الاضطلاع بمهامها فى صون أمن واستقرار العراق وحماية مقدرات شعبه ووحدة أراضيه.



كلمة رئيس مصر، وتواجده فى قلب بغداد، رسائل مهمة، تحث على الأمن والاستقرار، وتدعو لعدم التدخل فى الشؤون الداخلية للبلاد، وأن الهدف الأسمى للعلاقات والتحالفات الإقليمية، إزالة كل أثر سياسى متقلب وغير مستقر، والذى شهدته المنطقة طوال السنوات العشر الماضية، وتثبت أيضًا أنها صارت الرقم الصحيح والقوى فى معادلة الأمن والاستقرار فى المنطقة.